الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
533
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الثاني ما يصدر عن العلم به كمال نفسية الإنسان ، وهو علم الأخلاق . الثالث تهذيب العائلة ، وهو المسمّى عند اليونان علم تدبير المنزل . الرابع تقويم الأمة وإصلاح شؤونها وهو المسمّى علم السياسة المدنية ، وهو مندرج في أحكام الإمامة والأحكام السلطانية . ودعوة الإسلام في أصوله وفروعه لا تخلو عن شعبة من شعب هذه الحكمة . وقد ذكر اللّه الحكمة في مواضع كثيرة من كتابه مرادا بها ما فيه صلاح النفوس ، من النبوءة والهدى والإرشاد . وقد كانت الحكمة تطلق عند العرب على الأقوال التي فيها إيقاظ للنفس ووصاية بالخير ، وإخبار بتجارب السعادة والشقاوة ، وكليات جامعة لجماع الآداب . . وذكر اللّه تعالى - في كتابه - حكمة لقمان ووصاياه في قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [ لقمان : 12 ] الآيات . وقد كانت لشعراء العرب عناية بإبداع الحكمة في شعرهم وهي إرسال الأمثال ، كما فعل زهير في الأبيات التي أولها « رأيت المنايا خبط عشواء » والتي افتتحها بمن ومن في معلقته . وقد كانت بيد بعض الأحبار صحائف فيها آداب ومواعظ مثل شيء من جامعة سليمان عليه السلام وأمثاله ، فكان العرب ينقلون منها أقوالا . وفي « صحيح البخاري » في باب الحياء من كتاب الأدب أنّ عمران بن حصين قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : الحياء لا يأتي إلّا بخير ، فقال بشير بن كعب العدوي : مكتوب في الحكمة إنّ من الحياء وقارا وإنّ من الحياء سكينة ، فقال له عمران : أحدّثك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتحدّثني عن صحيفتك » . والحكيم هو النابغ في هاته العلوم أو بعضها فبحكمته يعتصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار مبلغ حكمته ، وفي الغرض الذي تتعلّق به حكمته . وعلوم الحكمة هي مجموع ما أرشد إليه هدي الهداة من أهل الوحي الإلهي الذي هو أصل إصلاح عقول البشر ، فكان مبدأ ظهور الحكمة في الأديان ، ثم ألحق بها ما أنتجه ذكاء العقول من أنظارهم المتفرّعة على أصول الهدى الأول . وقد مهّد قدماء الحكماء طرائق من الحكمة فنبعت ينابيع الحكمة في عصور متقاربة كانت فيها مخلوطة بالأوهام والتخيّلات والضلالات . بين الكلدانيين والمصريين والهنود والصين ، ثم درسها حكماء اليونان فهذّبوا وأبدعوا ، وميّزوا علم الحكمة عن غيره ، وتوخّوا الحق ما استطاعوا فأزالوا أوهاما عظيمة وأبقوا كثيرا . وانحصرت هذه العلوم في طريقتي سقراط وهي نفسية ، وفيثاغورس وهي رياضية عقلية . والأولى يونانية والثانية لإيطاليا اليونانية . وعنهما أخذ